لم يغير المشير حسين طنطاوي سيارته الرسمية السوداء التي يزيد عمرها علي ثلاثين سنة ولا يقبل بموكب من سيارات حراسة مرافقة تفتح له الطريق ولا يجرؤ سائقه علي تجاوز الإشارة الحمراء بل عليه انتظار إطفائها كي يعبرها مثله مثل غيره من المواطنين
ويسهل علي من يسكن في طريقه مثلي أن يراه في سيارته وهو يمر بهدوء دون جلبة نعاني منها في مواكب الوزراء وزوجاتهم أحيانا وهم يجيئون ويذهبون دون مبالاة بشل حركة الحياة
وعندما نزل المشير إلي ميدان التحرير في ذكري حرب رمضان لم يصطحب معه كاميرات مستعدة أو حراسات مستفزة فسلوكه الشخصي علامة علي ضبط النفس وربما كان السبب تأثره بجمال عبدالناصر وإيمانه به فقد وقف ضد التوريث والخصخصة وقال في اجتماع شهير لمجلس الوزراء أيام أحمد نظيف فاضل تبيعوا الشعب المصري
وفي لحظة اختيار صعبة وحرجة انحاز للناس في بلاده وبدأ بنفسه العد التنازلي لوجود مبارك في السلطة فما دام الشعب يريد أن يرحل الرئيس فليرحل لكن ساعات طويلة من المعاناة سبقت الرحيل توقفت فيها أنفاس التاريخ تماما
كان قد تقرر أن يغادر مبارك القصر الجمهوري يوم الخميس فبراير ونزل اللواء حسن الرويني قائد المنطقة المركزية إلي ميدان التحرير وصعد إلي منصة حمدي الوزير ليعلن بنفسه أن كل مطالب المتظاهرين استجيبت في إيحاء لا يخطئه أحد بأن الرئيس سوف يتنازل عن السلطة ثم جلس في غرفة متواضعة بالمتحف المصري أمام تليفزيون صغير ينتظر بيان التنحي لكن انتظاره طال فقد دخلت سوزان علي الخط وأصرت علي أن يبقي زوجها في موقعه فخرج بيان الرئيس مخيباً للتوقعات المحسومة
في الوقت نفسه كان المجلس العسكري يتلقي اتصالات من وزير الدفاع الأمريكي ورئيس أركانه يسألان ما الذي حدث؟ ويخشيان من نفاد الصبر الذي قد ينتهي بانقلاب عسكري صريح فقد كان القرار الذي اتخذ يا يمشي يا نمشيه فلم يعد الموقف يحتمل الانتظار خشية أن يفقد ضباط في الشارع قدرتهم علي ضبط النفس خاصة أن بعضا من عرباتهم المصفحة قد حرقت وبعضا من جنودهم قد تعرضوا لاستفزاز يصعب احتماله
جرت اتصالات مكثفة ومتكررة بين منتصف الليل وصباح اليوم التالي انتهت بأن قال الرئيس للمشير شيلها لكن رجلا عسكريا منضبطا مثل المشير كان يريد أن يعرف بالضبط ما المقصود بكلمة شيلها فاتصل بنائب الرئيس عمر سليمان طالبا منه الحصول علي معني محدد لــ شيلها وبعد قليل كان النائب يؤكد أن مبارك سيرحل إلي شرم الشيخ وسجل عمر سليمان بيان التنحي ــ الذي صاغه المستشار فاروق سلطان رئيس المحكمة الدستورية العليا ــ في إحدي طرقات مبني المجلس العسكري لكن البيان لم يذع إلا بعد أن وصل الرئيس السابق إلي قصره في منتجع الجولف وأخذ حماما وجلس امام التليفزيون يشاهده بنفسه